الطاقة وملف الأقليات.. خلافات المجر وأوكرانيا تهدد بتفجير صراع في أوروبا الشرقية

الطاقة وملف الأقليات.. خلافات المجر وأوكرانيا تهدد بتفجير صراع في أوروبا الشرقية


تشهد العلاقات بين المجر وأوكرانيا تصعيدًا متدرجًا، بعدما تجاوز الخلاف حدود السجال الدبلوماسي إلى خطاب سياسي أكثر حدّة، وسط اتهامات متبادلة تمس السيادة والأمن القومي. وجاءت تصريحات رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان التي وصف فيها أوكرانيا بأنها «عدو» لتضع العلاقات الثنائية في مرحلة جديدة، وسط تحذيرات من تداعيات إقليمية أوسع. ويرتبط التصعيد المباشر بملف الطاقة، إذ ترفض بودابست إنهاء تعاونها مع موسكو في مجال الإمدادات، معتبرة أن الاتفاقيات القائمة ضرورة إستراتيجية لدولة تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة. 
وفي الوقت ذاته تدفع كييف مدعومة بمواقف داخل الاتحاد الأوروبي، نحو تقليص الاعتماد على روسيا، وهو ما تعتبره المجر تدخلًا في خياراتها السيادية.
إلى جانب الطاقة، يبرز ملف الأقلية المجرية في منطقة زاكارباتيا غرب أوكرانيا بوصفه نقطة توتر مزمنة، وتتهم بودابست كييف باتباع سياسات تمس حقوق هذه الأقلية، خاصة فيما يتعلق باللغة والتعليم والتجنيد.
وتضع التطورات الحالية الاتحاد الأوروبي أمام معادلة معقدة بين دعم أوكرانيا والحفاظ على تماسكه الداخلي، خاصة مع إمكانية لجوء المجر إلى استخدام حق النقض لتعطيل قرارات أو حزم دعم مخصصة لكييف.
ورغم أن مواجهة عسكرية مباشرة بين البلدين تبدو غير مرجحة على المدى القريب، فإن احتمالات الحوادث الحدودية أو الأزمات المرتبطة بحاملي الجنسية المزدوجة تبقى قائمة في ظل تصاعد الخطاب العدائي.  ويرى الخبراء أن التوتر بين المجر وأوكرانيا يعكس صراعًا أعمق من مجرد خلاف سياسي، إذ تتقاطع حسابات بودابست المرتبطة بالطاقة وحقوق الأقلية المجرية مع مساعي كييف للاندماج الأوروبي الكامل، في ظل حرب عمقت فجوة الثقة بين الطرفين. وقال مدير مركز فيجن للدراسات الإستراتيجية في أوكرانيا، الدكتور سعيد سلام، إن التوتر المتصاعد بين المجر وأوكرانيا لا يمكن فهمه بوصفه خلافًا عابرًا بل هو انعكاس لتشابك عميق بين اعتبارات الداخل المجري ورهانات التماسك الأوروبي في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية.  وفي تصريحات لـ»إرم نيوز»، أكد أن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يوظف الملف الأوكراني ضمن معادلة داخلية معقدة، تقوم على حماية ما يعتبره «حقوقًا سيادية» في مجالات الطاقة والاقتصاد وصون هوية الأقلية المجرية في غرب أوكرانيا، في مقابل ضغوط أوروبية تدفع نحو اصطفاف كامل خلف كييف. وأشار مدير مركز فيجن للدراسات الإستراتيجية في أوكرانيا إلى أن وصف أوربان لخطط تسريع انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي بأنها «إعلان حرب مفتوح ضد المجر» يعكس تصورا لدى بودابست بأن أي توسع سريع شرقًا قد يهمش مصالحها ويضعف قدرتها التفاوضية داخل الاتحاد. وأضاف سلام أن الحرب الروسية زادت المشهدَ تعقيدًا، إذ اختارت المجر مسارًا مغايرًا لغالبية العواصم الأوروبية، فرفضت إرسال أسلحة إلى كييف، ومنعت عبور الشحنات العسكرية عبر أراضيها، كما استخدمت حق النقض أكثر من مرة لتعطيل حزم مساعدات أوروبية. 
وأوضح أن هذا التموضع جعل كييف تنظر إلى بودابست باعتبارها «حصان طروادة روسيًّا» داخل الاتحاد الأوروبي، فيما اتهمها مسؤولون أوكرانيون بـ»الدعم العلني للعدوان الروسي».
ويرى سلام أن الأزمة تجاوزت إطارها الثنائي لتصبح اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الاتحاد الأوروبي على إدارة تناقضاته الداخلية، عبر صياغة مقاربة توازن بين ضمانات واضحة لحماية حقوق الأقليات بما يحول دون انزلاق الخلاف إلى تصدع أعمق في الجبهة الأوروبية.
من جانبه، أكد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، أن ما يدور خلف الكواليس بين المجر وأوكرانيا يحمل أبعادًا إنسانية لا تقل أهمية عن الحسابات الجيوسياسية.
وأوضح في تصريحات لـ»إرم نيوز»، أن منطقة زاكارباتيا في غرب أوكرانيا تمثل نقطة تماس حساسة تتقاطع فيها الهواجس الأمنية مع أسئلة الهوية والانتماء، حيث تعيش أقلية مجرية تخشى على لغتها وثقافتها، في وقت تخوض فيه الدولة الأوكرانية حرب وجودية تجعلها أكثر تشددًا تجاه أي ملف قد يُفسر باعتباره ثغرة داخلية. وقال بريجع إن الحرب تجعل كل قانون لغوي يبدو كأنه سلاح، والاختلاف قد يكون قابلًا لأن يتحول إلى شك متبادل.
وأشار إلى أن سكان تلك المناطق يعيشون ضغطًا مركبًا، فهم عالقون بين خوف يومي من الحرب ورغبة في الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية، فهناك عائلات تريد مدارس آمنة تدرس بلغتها الأم، من دون أن يُنظر إليها باعتبارها موضع شبهة.
ولفت إلى أن الأزمة تتفاقم عندما تتحول حقوق الأقليات إلى ورقة تفاوض أو شعار انتخابي، لأن الناس يدفعون الثمن مرتين، مرة حين يعيشون القلق في تفاصيل حياتهم، ومرة حين يُستخدم اسمهم في خطابات سياسية لا تعكس تعقيدات واقعهم. وأكد مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن جوهر الصراع هو أزمة ثقة متراكمة، وأن تجاوزها يتطلب خطابًا سياسيًّا هادئًا وتشريعات متوازنة تعترف بأن «الأمن لا يتعارض مع الكرامة»، وأن حماية الدولة لا ينبغي أن تعني التشكيك في انتماء مواطنيها أو تحويلهم إلى أدوات في معركة أوسع على النفوذ في أوروبا الشرقية.