رئيس الدولة ورئيس وزراء اليونان يؤكدان على أهمية تسوية النزاعات عبر الحوار والحلول الدبلوماسية
في غِيابِ إشارة سلام من بوتين تُنهي الحربَ الأوكرانية –الرّوسية :
مُعْضِلة أوروبية: هل نتحدث مع بوتين مُجَدداً أم لا ؟
أثار اقتراح إيمانويل ماكرون، الذي يدعو إلى «استئناف الحوار الأوروبي مع الروس»، جدلاً واسعاً في أوروبا. ويرى الرئيس الفرنسي أن الهدف هو حماية المصالح الأمنية الأوروبية، دون الاعتماد على الولايات المتحدة، خلال المفاوضات مع كييف وموسكو. إلا أن هذه الفكرة لا تحظى بقبول عالمي. إذ ترى عدة عواصم أن تطبيقها مشروط بإرسال الرئيس الروسي إشارات داعمة للسلام، وتخشى من استغلال موسكو لهذا الحوار.
يثير هذا السؤال حول قلق الأوروبيين،بشأن الحوار مع بوتين ، في ظلّ صعوبة المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، التي تُجرى برعاية الولايات المتحدة لإنهاء القتال: بعد أربع سنوات من بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا، هل ينبغي عليهم التحدث مع فلاديمير بوتين مجدداً، كما يفعل دونالد ترامب، لحلّ النزاع؟
لم يُخفِ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحفظاته يوم الأربعاء 11 فبراير-شباط، عقب مكالمة هاتفية مع إيمانويل ماكرون، أول زعيم للاتحاد الأوروبي يُطلق النقاش حول إنهاء الصراع في نهاية عام 2025 وقد صرّح زيلينسكي خلال مقابلة صحفية عبر الإنترنت: «نسمع مؤخراً كثيراً أن على أوروبا إجراء حوار منفصل مع روسيا. أعتقد أن روسيا اليوم لن تستغل ذلك إلا لإذلال أوروبا». ويرغب نظيره الفرنسي في إعادة التواصل مع زعيم الكرملين حتى لا تعتمد أوروبا، في رأيه، كلياً على الأمريكيين ورئيسهم المتقلب للدفاع عن مصالحها الأمنية ضد روسيا.
بحسب معلوماتنا، أُرسل مسؤول رفيع المستوى من وزارة الخارجية الفرنسية إلى مينسك يومي 5 و6 فبراير-شباط لبحث إمكانية استئناف الحوار مع بيلاروسيا، حليفة روسيا التي ينبذها الاتحاد الأوروبي. في الوقت نفسه، نفى فولوديمير زيلينسكي نيته تنظيم انتخابات رئاسية في بلاده بحلول 15 مايو-أيار، تحت ضغط من الولايات المتحدة، أو حتى إجراء استفتاء على خطة سلام محتملة مع روسيا وصرح قائلاً: «يجب إرساء وقف إطلاق النار، وستُجرى الانتخابات. مع الروس، لا يكفي مجرد الحوار، بل يجب ممارسة الضغط». لا بد من وجود حجج لإحداث تغيير.» في اليوم السابق، وفي مقابلة مع عدة صحف، من بينها لوموند، دافع إيمانويل ماكرون عن مبادرته، بعد ثلاث سنوات من إنهاء محادثاته المثيرة للجدل مع الرئيس الروسي، باستثناء مكالمة هاتفية في أوائل يوليو-تموز 2025 بشأن إيران وأوكرانيا.
من المهم تنظيم استئناف المحادثات الأوروبية مع الروس، دون سذاجة، ودون ممارسة ضغوط على الأوكرانيين، ولكن دون الاعتماد على طرف ثالث»، هكذا أوضح. وقد اتفق ماكرون وزيلينسكي على مناقشة هذه القضية الشائكة مجدداً في مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي من يجمع نحو ستين رئيس دولة وحكومة في الفترة من الجمعة 13 فبراير إلى الأحد 15 فبراير. كما كان بإمكان القادة الأوروبيين التطرق إلى الموضوع يوم الخميس، على هامش قمة غير رسمية حول تنافسية القارة العجوز، في شمال بلجيكا.
«لنكن صريحين، نحن نتحدث بالفعل مع بوتين من خلال الأمريكيين. فلماذا لا نجد طريقة للتحدث معه مباشرة؟ بالطبع، بحضور أوكرانيا»، هكذا صرّح الرئيس القبرصي لصحيفة لوموندنيكوس كريستودوليدس، في باريس. بالنسبة للرجل الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، هناك ضغوط عليه. وإلا، فسيعاملون أوروبا ببساطة دون احترام.
بالنسبة لرئيس الدولة التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، فإنّ» هذا السؤال أكثر أهمية، لا سيما وأنّ المفاوضات التي تجريها إدارة ترامب تتناول أحيانًا مواضيع تقع ضمن صلاحيات الاتحاد الأوروبي، مثل انضمام أوكرانيا المحتمل إلى الاتحاد. يُصرّ فولوديمير زيلينسكي على الانضمام في 1 يناير 2027 هذا غير ممكن، ولكن يجب علينا تطبيق عملية انضمام تدريجية لجميع الدول المرشحة، تسمح لها، بناءً على احترامها لقيم الاتحاد الأوروبي وجدارتها، بالانضمام إلى السوق الموحدة ومنطقة شنغن، ثم السياسة الزراعية المشتركة...». ويضيف خريستودوليدس: «السؤال الأهم ليس ما إذا كان ينبغي لنا التحدث إلى بوتين أم لا، بل ما الرسالة التي نريد إيصالها إليه.
حسابات استراتيجية
مع ذلك، لا تزال الآراء منقسمة حتى الآن حول جدوى وآليات المشروع الذي يتبناه إيمانويل ماكرون، حتى مع وجود مسألة لم يعد استئناف الاتصالات من المحرمات، بل بات يحظى باهتمام متزايد. «إنه صراع تدفع فيه أوروبا ثمنه دون أن تشارك فيه. يسعى ماكرون لضمان عدم وجود الولايات المتحدة في الخطوط الأمامية». وتلاحظ تاتيانا كاستويفا-جان، مديرة مركز روسيا-أوراسيا في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن هناك حسابات استراتيجية مطروحة: علينا أن نكون حاضرين. إنه أمر محفوف بالمخاطر. ستحاول روسيا التلاعب بنا. لا يخطط الروس للتراجع؛ بل يريدون خنق أوكرانيا بدعم أمريكي. لا يمكن للأوروبيين الاكتفاء بدور المراقبين فقط. في حين أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن فلاديمير بوتين مستعد لإجراء نقاش «جاد» مع الرئيس الفرنسي، سخر مما وصفه بـ»الدبلوماسية البائسة». وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً بالنظر إلى أن زيارة رئيس الوحدة الدبلوماسية في قصر الإليزيه، إيمانويل بون، إلى موسكو في الثالث من فبراير-شباط، أتاحت له إعادة التواصل مع نظيره الروسي، يوري أوشاكوف، لكن دون إحراز أي تقدم ملموس، كما أوضح الفرنسيون يوم الاثنين خلال جلسة إحاطة في كي دورسيه مع شركائهم الأوروبيين. ويعتقد عدد من الدبلوماسيين أنه «لم يُحرز أي تقدم بشأن القضايا الإقليمية، التي تُعدّ مع ذلك جوهر المناقشات، ولا سيما مصير دونباس، التي لا يزال الروس يطمعون بها بالكامل؛ ولم تُقدّم أي تنازلات بشأن إشراك الأوروبيين في المناقشات».
في البداية، فكّر إيمانويل ماكرون في اتباع نهج مشترك مع ألمانيا والمملكة المتحدة - ضمن مجموعة الدول الأوروبية الثلاث - لكن شريكيه ما زالا مترددين، على الرغم من اعتراف المستشار فريدريش ميرز، في السادس من فبراير-شباط، بأن المبادرة قد نُسّقت معه «بشكل وثيق». وأصرّ ميرز على ضرورة «تنسيق» المفاوضات بالدرجة الأولى مع الولايات المتحدة وأوكرانيا، رافضًا فتح «قنوات نقاش موازية». وفي داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الشريك في الائتلاف الحاكم والمعروف بمواقفه السلمية، تُسمع أصوات مؤيدة للحوار مع موسكو. فقد دعا أديس أحمدوفيتش، المتحدث باسم الحزب للشؤون الخارجية في البوندستاغ، في 28 يناير-كانون الثاني، الأوروبيين إلى «التواجد على طاولة المفاوضات». وخارج الاتحاد الأوروبي، تُبدي المملكة المتحدة أيضًا شكوكًا. فقد صرّحت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، مؤخرًا: «ما نحتاجه هو دليل على أن بوتين يريد السلام حقًا، وفي الوقت الراهن، ما زلت لا أرى ذلكُ « .
في بولندا، تثير المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي قلقاً بالغاً، إذ ترى الدولة المجاورة لأوكرانيا أن أمنها مُهدد. وبينما لم تُعلّق وسائل الإعلام البولندية كثيراً على زيارة إيمانويل ماكرون إلى موسكو، ترى وارسو أن الوقت غير مناسب لاستئناف الحوار مع الرئيس الروسي. وأوضح مصدر دبلوماسي بولندي: «لن ننتقد مبادرات إيمانويل ماكرون، لكن موقفنا هو ضرورة التريث. ولا يوجد ما يضمن أن يُسرّع ذلك من وتيرة السلام في أوكرانيا». من جانبه، أشار رئيس الوزراء السويدي المحافظ، أولف كريسترسون، في منتصف يناير/كانون الثاني، إلى أن على أوروبا استئناف الحوار مع موسكو «في وقت ما»، ولكن ليس في هذه المرحلة: «علينا الآن أن نحدد أولاً ما إذا كانت روسيا ترغب حقاً في إبرام سلام مقبول مع أوكرانيا». أما في دول البلطيق، فالآراء مُتباينة. في الرابع من فبراير، صرحت رئيسة وزراء لاتفيا إيفيكا سيلينا في مقابلة مع يورونيوز أن الوقت قد حان لبدء حوار: «يجب أن نكون على طاولة المفاوضات، لأن الأوكرانيين أنفسهم قد بدأوا المفاوضات. فلماذا لا يتفاوض الأوروبيون؟»
لإبداء رأينا
أيد الرئيس الإستوني، آلار كاريس، هذا الرأي، قائلاً: «مع أننا لا نخوض حرباً مباشرة ضد روسيا، إلا أننا ندعم أوكرانيا منذ سنوات عديدة وما زلنا ندعمها. لذا، يجب أن يكون لنا رأي في الأمر. ولكننا، مرة أخرى، تأخرنا قليلاً». وقد استنكر وزير الخارجية، مارغوس تساخنا، هذه التصريحات في تالين، قائلاً: «إن الرغبة في بدء محادثات مع بوتين في الكرملين وإقامة علاقات جيدة معه أمر كارثي لأوكرانيا، ويهدد أمن أوروبا بشكل مباشر، ويتناقض تماماً مع سياستها الحالية القائمة على الضغط والعزل». وفي حديثه على قناة LRT-TV يوم الثلاثاء 10 فبراير، انتقد الرئيس الليتواني، جيتاناس ناوسيدا، مبادرات بعض الدول لاستئناف الحوار مع موسكو، قائلاً: «لا يتعزز موقف أوروبا عندما يبدأ بعض القادة فجأة بالقول: لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة تحدثنا فيها مع بوتين، يجب علينا استئناف الحوار معه». وهو يعتقد أن أوروبا يمكن أن تلعب دوراً في المفاوضات، ولكن بشرط أن تنسق الدول الأعضاء الـ 27 جهودها. في المقابل، في إيطاليا، يتوافق اقتراح استئناف الحوار بين الأوروبيين وموسكو مع موقف رئيسة الوزراء، جورجيا ميلوني، التي صرّحت في يناير-كانون الثاني بأن إيمانويل ماكرون كان «مُحِقًّا» في دعوته إلى هذا التطور. ويبقى السؤال مطروحًا: كيف نمضي قدمًا؟ قالت جورجيا ميلوني، التي كانت قد أعربت عن دعمها لتعيين مبعوث خاص من الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا: «إذا ارتكبنا خطأ إعادة فتح المحادثات مع روسيا والتصرف بشكل غير منسق، فسنكون بذلك نُسدي معروفًا لبوتين». منذ توليها السلطة عام 2022، اضطرت رئيسة الوزراء الإيطالية إلى التعامل مع أحد أحزاب ائتلافها، حزب الرابطة ،اليمين المتطرف، الذي ظلّ متشككًا في التزام روما تجاه كييف، بعد أن تبنى موقفًا مؤيدًا للكرملين بشدة قبل الحرب الشاملة ضد أوكرانيا.