رئيس الدولة والرئيس التشادي يبحثان تعزيز علاقات التعاون وعددا من القضايا الإقليمية والدولية
الطلاق البائن مع باريس.. واغادوغو تطوي صفحة النفوذ الفرنسي
أعلن النظام العسكري في بوركينا فاسو، قطع علاقاته الدبلوماسية مع فرنسا بشكل كامل رسميا، والسبب: «أنشطة تخريبية مستمرة» ضد مصالح البلاد، و»طموحات استعمارية جديدة» مقرونة بدعم «شبكات تخريبية وإرهابيين» يدمرون البلاد ومنطقة الساحل. وبحسب وسائل إعلام فرنسية القرار الذي اتخذه إبراهيم تراوري ليس مفاجئاً بقدر ما هو تتويج لمسار تدهور طويل للعلاقات بين البلدين.
العامل المباشر الذي عجّل بالإعلان كان قراراً صادراً عن البرلمان الأوروبي في 18 يونيو-حزيران الماضي يدين انتهاكات الحريات الأساسية في بوركينا فاسو، بدعم من عضو البرلمان الفرنسي كريستوف غومار، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الفرنسية حتى 2017، الذي وصف أداء المجلس العسكري بـ»الفشل»، وقبل الإعلان، استدعت وزارة الخارجية البوركينابية سفير الاتحاد الأوروبي فيليب برونشان للاحتجاج.
الباحث لادجي أواتارا، مدير معهد كوريس ومسؤول مرصد الساحل في معهد Thinking Africa، يُلاحظ في حديث لإذاعة Africa Radio مفارقة لافتة: القرار الأوروبي ذاته اتُّخذ بشأن النيجر أيضاً دون أن يُفضي لقطيعة دبلوماسية مماثلة مع فرنسا.
ويضيف «كان من المنطقي أن تُنهى العلاقات مع أوروبا ككل، لكن لاحظنا أن فرنسا هي من استُهدفت تحديداً»، ويرى أواتارا أن دول تحالف الساحل تبحث باستمرار عن «كبش فداء خارجي» لتغطية إخفاقاتها الاستخباراتية الداخلية.
مسار تدهور
بدأ عام 2022
القطيعة تُتوّج مساراً بدأ مع انقلاب سبتمبر-أيلول 2022 الذي أوصل الكابتن إبراهيم تراوري للسلطة. فبعد أشهر من توليه الحكم، جاء انسحاب القوات الفرنسية المنخرطة في محاربة الإرهاب، وألغى الاتفاقيات العسكرية مع باريس، وطالب باستدعاء السفير لوك هالاد.
توالت بعدها إجراءات تصعيدية كتعليق بث وسائل إعلام فرنسية كفرانس 24 وRFI وTV5 موند وLCI وجون أفريك، وطرد مراســـــلتَي لومونـد وليبراسيون.
وفي ديسمبر 2023، اعتُقل أربعة موظفين فرنسيين بتهمة التجسس، وأُفرج عنهم بوساطة مغربية بعد عام كامل. وفي 2024، طُرد ثلاثة دبلوماسيين فرنسيين متهمين بـ»أنشطة تخريبية»، وهي اتهامات رفضتها باريس.
التحالف الجديد..
روسيا وتركيا وإيران
القطيعة تأتي ضمن إعادة تموضع إقليمي أوسع، فبوركينا فاسو، إلى جانب مالي والنيجر، خرجت من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «CEDEAO» وأسّست «تحالف دول الساحل» «AES»، البديل السيادي المُعلن عن منظمات إقليمية تُعتبر قريبة جداً من المصالح الغربية.
في هذا النظام الجديد، لا مكان لفرنسا، واغادوغو تُفضّل اليوم شركاء أمنيين ودبلوماسيين آخرين، أبرزهم روسيا، إلى جانب تركيا وإيران.
المفارقة أن هذه القطيعة تأتي بينما تبقى بوركينا فاسو أحد أبرز بؤر الإرهاب في الساحل. رغم إعادة توجيه التحالفات والتعبئة الواسعة لمتطوعي الدفاع عن الوطن «VDP»، مساحات شاسعة من البلاد لا تزال خارج سيطرة الدولة. وداخلياً، يواصل النظام العسكري تشديد قبضته: صحفيون وقضاة وناشطون مدنيون وزعماء دينيون ونقابيون طلاب، جميعهم استُهدفوا بحملة قمع وثّقتها منظمات حقوقية عديدة. في الأسابيع الأخيرة وحدها، اعتُقل إمام مؤثر وعدد من أتباعه. أواتارا يُحذّر من تبعات عملية لا يبدو أن المجلس العسكري يقيس حجمها كاملاً. فرنسا تستضيف بين 7 و9 آلاف مواطن بوركينابي وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة ومعهد الإحصاء الفرنسي، بتحويلات مالية من هذه الجالية تُقدَّر بين 200 و300 مليار فرنك أفريقي. ويضيف «للأسف لدي انطباع أن بوركينا، حين تُنهي علاقاتها أو حضورها في مؤسسات دولية معينة، لا تأخذ بالحسبان كامل الأثر على البلاد. رأينا ذلك مع CEDEAO حيث تُرك الموظفون البوركينابيون شبه مُتخلّى عنهم.»
رد فرنسا ومستقبل
مالي والنيجر
وزارة الخارجية الفرنسية وصفت القرار بـ»العدائي وغير المبرر»، معلنةً أنها تدرس «تدابير المعاملة بالمثل»، مع دعوة المواطنين الفرنسيين في البلاد إلى «يقظة معززة»، العلاقات كانت أصلاً مُختزَلة إلى أدنى حد: منذ 2023، علّقت فرنسا مساعداتها التنموية ودعمها الميزاني وإصدار تأشيرات الطلاب من بوركينا ومالي والنيجر.
هل ستحذو مالي والنيجر حذو بوركينا؟ أواتارا يرى أن الأمر سابق لأوانه. «نشهد اليوم نوعاً متزايداً من الوضوح الدبلوماسي: الدول تقرر وفق مصلحتها الخاصة هل تتبع حلفاءها أم لا»، ويُشير إلى أن العلاقات مع الجزائر تتحسن لدى النيجر وبوركينا بينما تبقى متوترة مع مالي، مما يكشف أن القرارات لا تُتخذ بصورة جماعية موحدة بل وفق حسابات كل نظام على حدة.
من جهته يلخص الصحفي داميان غليز في جون أفريك المشهد بالقول: «الانفصال متحقق منطقياً، لكن السؤال الحقيقي هو إلى أين سيقود؟»، موضحا أن الغموض يبقى سيد الموقف: فهل سيُطالب المجلس العسكري بإغلاق السفارات بالكامل؟ هل ستُعلّق الخدمات القنصلية وتأشيرات الفرنسيين العالقين؟ مصير الفنانين والأكاديميين والمدارس الفرنسية لا يزال كذلك دون إجابة.