آراء الكتاب

آراء الكتاب

مساحة نستعرض فيها الأفكار والإبداع  بهدف إثراء الحياة الثقافية  يعبر القارىء فيها عن رأيه ولا يمثل وجهة نظر الصحيفة نتلقى مشاركتكم عبر الايميل 
abdalmaqsud@hotmail.com

دور التطوع في التعايش السلمي 
إن التطوع ليس مجرد عمل خيري، بل هو استثمار في بناء الإنسان والمجتمع. وكلما انتشرت ثقافة التطوع، ازدادت فرص تحقيق التعايش السلمي، وترسخت قيم المحبة والتسامح والتعاون، ليصبح المجتمع أكثر استقرارًا وأقدر على مواجهة التحديات بروح واحدة، إيمانًا أن السلام يبدأ من المبادرات الصغيرة التي يصنعها أفراد يؤمنون بقيمة العطاء وخدمة الآخرين، حيث أن التطوع من أسمى صور العطاء الإنساني، فهو يعكس روح المسؤولية والانتماء للمجتمع، ويجسد قيم التعاون والتكافل بين الأفراد ولا يقتصر أثر العمل التطوعي على تقديم المساعدة للمحتاجين، بل يمتد ليصبح وسيلة فعالة لتعزيز التعايش السلمي وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل بين مختلف فئات المجتمع. 
يقوم التعايش السلمي على قبول الآخر، واحترام التنوع الديني والثقافي والاجتماعي، والعمل معًا لتحقيق المصلحة العامة. وهنا يبرز دور التطوع باعتباره مساحة تجمع الناس على هدف إنساني مشترك، بعيدًا عن الاختلافات الفكرية أو الاجتماعية، فعندما يشارك أفراد من خلفيات متنوعة في حملة خيرية أو مبادرة بيئية أو نشاط مجتمعي، فإنهم يكتشفون أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، مما يعزز الثقة ويقوي روابط المحبة والتفاهم. 
كما يسهم العمل التطوعي في نشر قيم التسامح والحوار، إذ يتيح فرصًا للتواصل المباشر بين الأفراد، ويشجع على التعاون واحترام وجهات النظر المختلفة. ومن خلال هذه التجارب، تنمو لدى المتطوعين مهارات العمل الجماعي، وحل المشكلات، والتواصل الإيجابي، وهي مهارات ضرورية لبناء مجتمع متماسك يسوده السلام. 
وتلعب المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في غرس ثقافة التطوع لدى الشباب، من خلال تنظيم المبادرات والبرامج التي تستهدف خدمة المجتمع، فالشباب المتطوعون يصبحون سفراء لقيم السلام، وينقلون تجاربهم الإيجابية إلى أسرهم وأصدقائهم، مما يوسع دائرة التأثير الإيجابي في المجتمع، وفي أوقات الأزمات والكوارث، تتجلى أهمية التطوع بصورة أكبر، حيث يتكاتف الجميع لتقديم الدعم والمساندة دون تمييز، وهو ما يعزز الشعور بالوحدة الوطنية والتضامن الإنساني، ويؤكد أن التعاون هو السبيل الأمثل لمواجهة التحديات. 
رفاعي محمد

بناء الشخصية القيادية 
إن بناء الشخصية القيادية رحلة مستمرة تتطلب الصبر والاجتهاد والانضباط، وكل إنسان يمتلك القدرة على أن يصبح قائدًا في مجاله إذا امتلك الرؤية الواضحة، والإرادة القوية، والأخلاق الرفيعة، والرغبة الدائمة في التعلم وخدمة الآخرين، فالقيادة الحقيقية ليست منصبًا، بل تأثير إيجابي يترك أثرًا طيبًا في حياة الناس والمجتمع. 
كما أن الشخصية القيادية من أهم عوامل النجاح في الحياة العملية والاجتماعية، فهي ليست موهبة فطرية فقط، بل مهارة يمكن اكتسابها وتطويرها بالممارسة والتعلم المستمر. والقائد الحقيقي هو الشخص القادر على التأثير في الآخرين، وإلهامهم، وتوجيههم نحو تحقيق الأهداف المشتركة، حيث يبدأ بناء الشخصية القيادية بمعرفة الإنسان لنفسه، وفهم نقاط القوة التي يمتلكها، والعمل على تطويرها، مع الاعتراف بنقاط الضعف والسعي إلى تحسينها، فالقائد الناجح يتمتع بالثقة بالنفس دون غرور، ويتحلى بالتواضع الذي يجعله قريبًا من فريقه.  كما تعتبر مهارات التواصل الفعّال من أهم ركائز القيادة، فالقائد الجيد يجيد الاستماع قبل التحدث، ويعبر عن أفكاره بوضوح، ويشجع الحوار واحترام الآراء المختلفة، مما يخلق بيئة إيجابية يسودها التعاون والاحترام، ومن الصفات الأساسية أيضًا القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، خاصة في المواقف الصعبة، فالقيادة ليست مجرد إصدار أوامر، بل هي تحمل نتائج القرارات، والتعلم من الأخطاء، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والتطور، ولا يمكن إغفال أهمية الذكاء العاطفي في بناء الشخصية القيادية، إذ يساعد القائد على فهم مشاعر الآخرين، والتعامل معهم بحكمة، واحتواء الخلافات، وتحفيز الفريق لتحقيق أفضل النتائج.  يؤدي التعلم المستمر دورًا محوريًا في صقل الشخصية القيادية، فالاطلاع على تجارب الناجحين، وحضور الدورات التدريبية، وقراءة الكتب المتخصصة، كلها وسائل تساهم في تنمية المهارات القيادية ومواكبة المتغيرات، وفي عصرنا الحالي، أصبحت القيادة تعتمد على الابتكار والعمل الجماعي أكثر من الاعتماد على السلطة، فالقائد الناجح هو من يصنع قادة جدد، ويمنح الفرصة للآخرين للإبداع، ويؤمن بأن نجاح الفريق هو نجاحه الحقيقي. 
إيمان الصقار 


العلاقات الصافية 
في مساحات الحياة التي لا يراها الكثيرون، تتشكل بعض العلاقات خارج القوالب المعتادة، كأنها ترفض أن تختصر في تعريف واحد أو تحاصر باسم محدد، حيث تتلاقى الأرواح دون تخطيط، ينشأ شعور لا يشبه ما قبله، ولا يسهل تفسيره بما اعتدنا عليه، ولم يكن الأمر اندفاعا عابراّ، ولا نزوة مؤقتة، هو أشبه باكتشاف متأخر لشيء ظل مفقوداً طويلاً، أو شعور بالاكتفاء حين يتوفر الإصغاء، وراحة حين يكون السؤال بدافع الاهتمام لا الفضول، وطمأنينة حين يصبح الحضور بحد ذاته رسالة كافية. 
في هذا الامتداد الهادئ للمشاعر، تظهر حالة نادرة بتوازن دقيق بين أكثر من روح، لا يقوم على التملك، بل على القبول، وكل طرف يجد في الآخر ما كان يبحث عنه بصمت، مثل تقدير صادق، احترام لا يتغير، واهتمام يحمل من الرقي ما يجعله خالياً من أي ثقل أو ادعاء، كما أن المعادلة لم تكن سهلة في ظاهرها، لكنها لم تكن معقدة في جوهرها، لأن ما جمعهم لم يكن رغبة عابرة، بل انسجام عميق، أشبه بتلاقي نغمات مختلفة تصنع لحنا واحداً لم يكن هناك صراع على القرب، ولا خوف من الفقد، بل اتفاق غير معلن على أن القيمة الحقيقية تكمن في بقاء هذا الصفاء كما هو. 
وعندما يسير كل شيء بهدوء لافت فالكلمات تقال بوعي، والمشاعر تمنح دون حساب، والمسافات تحترم دون أن تخلق بروداً، وكأن الجميع يدرك دون الحاجة للحديث، أن هذه الحالة لا تدار بالقواعد المعتادة، بل بحس عال من النضج والتوازن، وفي مثل هذه الحكايات لا يكون الحب هو العنوان الوحيد، بل يصبح جزءًا من منظومة أوسع كتقدير يسبق العاطفة، واحتواء يتجاوز الرغبة، واحترام يظل ثابتا مهما تغيرت الظروف، هنا لا يبحث أحد عن الانفراد أو يكون الأول، بل عن أن يكون صادقاً. 
قد يظن البعض أن هذا النوع من العلاقات محكوم عليه بالتعقيد أو النهاية، لكنه في الحقيقة يكشف عن وجه آخر للحب، وجه لا يعرف الأنانية، ولا يخضع للمقارنات، بل يعيش في منطقة نادرة من الصفاء الإنساني، وربما لا يمكن لهذه الحكاية أن تروى بسهولة ولا أن تفهم من الجميع لكنها بالنسبة لمن يعيشها، ليستً، بل إجابة ليست خطأ، بل تجربة تعلم معنى مختلفا للارتباط تظل بعض المشاعر أكبر من أن تقاس، وأعماقها أبعد من أن تشرح لأنها ببساطة حقيقية. 
علاء رياض

اهتم بنفسك 
 كانت الشمس تميل إلى الهدوء، وكانت روحي تستعد للخروج إلى صلاة الجمعة، وبينما أنا أغادر البيت، كان الأطفال الصغار يلعبون في ممر البناية، أولئك الذين ألفتهم وألفوني، أبادلهم السلام، وأداعبهم، وأشاركهم ابتسامة صادقة، حتى صار بيننا ود ومحبة لا تعرفها إلا القلوب البريئة، وفي ذلك اليوم التف الأطفال حولي كعادتهم، يضحكون ويفرحون، وكأنهم يودعون واحدًا من أهلهم، حتى إذا هممت بالمغادرة فتح المصعد قبل أن يتحرك المصعد وإذا بطفل صغير، لا يتجاوز الرابعة من عمره، ينظر إليّ بعينين صافيتين، ويقول بكل براءة ومحبة: «يا عمو… خلي بالك من نفسك» توقفت قدماي وسكنت جوارحي وهزتني تلك الكلمات هزًّا، ليس لأنها كلمات جديدة ولكن لأن الذي نطق بها قلب صغير حمل من معاني الرحمة والمحبة ما قد يغيب عن كثير من الكبار. 
فقلت في نفسي: ما أجمل التربية حين تتحول إلى مشاعر، وما أعظم البيوت التي تعلم أبناءها أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن السؤال عن الناس رحمة، وأن الدعاء لهم محبة، وأن قول: «خلي بالك من نفسك» ليس مجرد وداع، بل دعاء صادق ورسالة حب واهتمام نابع من قلب نقي حقاً، إنها كلمة صغيرة لكنها تهز المشاعر، وتوقظ في النفس أجمل المعاني، وكأنها تقول: أنت غالٍ علينا…سلامتك تهمنا… ونسأل الله أن يحفظك. 
وتساءلت: من الذي علم هذا الطفل الصغير هذه الكلمات الجميلة؟ أكيد وراءها أم حنون تودع أبناءها بهذه العبارة، وأب كريم يرددها وهو خارج إلى عمله، وبيت امتلأ بالمودة والرحمة، حتى أصبحت هذه الكلمات الجميلة جزءًا من شخصية ذلك الطفل البريء وما أعظم التربية حين تكون بالأخلاق قبل الكلام، وبالقدوة قبل النصيحة، فالأطفال لا يتعلمون الحب من الكتب بل يقرؤونه في وجوه آبائهم، ويسمعونه في كلمات أمهاتهم، ويرونه في تعامل أهلهم مع الناس، ولعل أجمل ما في هذه الحياة أن تجد قلبًا صغيرًا يدعو لك دون تكلف ويقول لك بمحبة صادقة: «خلي بالك من نفسك» 
كلما تذكرت وجه ذلك الطفل ابتسمت، وحمدت الله أن الخير لا يزال حاضرًا، وأن الأمة بخير ما دامت هناك أمهات يربين، وآباء يغرسون وأطفال يحملون هذه القلوب البيضاء. 
فاهتموا بأنفسكم، واهتموا بكلماتكم، وبمشاعركم تجاه الناس، فرب كلمة صادقة تخرج من قلب صغير، تصنع فرحة في قلب كبير، وتبقى ذكرى جميلة لا ينساها الزمن، فتلك الكلمة الصغيرة تحمل تربية عظيمة، فهذه ليست قصة عابرة بل لوحة من المحبة الصادقة، وثمرة من ثمار التربية الجميلة التي ما زالت تنبت الخير في قلوب الصغار. 
سامي الفاضل

لا تخجل من انكساراتك 
ما يهدد ثقتنا بأنفسنا ويفقدنا القدرة على التواصل والصمود أمام تحديات الحياة أننا نرى الآخرين أكثر استعدادًا وخبرة وقدرة وكفاءة منا، مما يدمر هذا سلامنا الداخلي ويقتل أي بادرة أمل تجاه أي جهود لجعل حياتنا أفضل ويفقدنا القدرة على مواجهة عثراتنا، لذلك لا أحد يعرف حالتك أكثر منك لذلك استمع إلى أعماقك وأحسن تقديرك لنفسك ولا تخجل من انكساراتك وخيبات الأمل وافخر بما تحققه من إنجازات واخف إحساسك بالتوتر حتى لا يصنفك الناس ويضعوك في خانة المتوترين. 
لا تفكر في الإخفاقات بطريقة ترهب كيانك حتى لا يتغذى بداخلك الإحساس بالفشل، أنت بهذا التفكير تعيق نفسك عن المضي قدمًا لذلك اجلس مع نفسك وتدبر أمر حالك وأعد تأمل أهدافك لتقلل من ضغوطاتك ووسع من نطاق منظورك للحياة كونها لا تسير على وتيرة واحدة واجعل من أي تحدياتك وسيلة للتحفيز حتى لا تستهلك طاقتك وتهدد نجاحك. 
عصام كرم الطوخي: صحفي

التعليم في 2030 مدارس ذكية ومعلم يقود المستقبل 
لقد أصبح الحديث عن مستقبل التعليم ليس مجرد توقعات أو رؤى بعيدة ولكنه واقع يتشكل يوماً بعد يوم بفعل التطور المتسارع في التكنولوجيا وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي ومع اقتراب عام 2030 تتجه الأنظار إلى شكل المدارس الجديدة ودور المعلم في بيئة تعليمية تختلف جذرياً عما اعتدنا عليه، ومع التطورات الأخيرة أصبحت المدرسة بيئة تعليمية ذكية تعتمد على التقنيات الرقمية وتحليل البيانات والتعلم التفاعلي بما يتيح لكل طالب تجربة تعليمية تناسب قدراته واحتياجاته فالذكاء الاصطناعي قادر على تحليل مستوى الطالب وتحديد نقاط القوة والضعف لديه واقتراح أنشطة تعليمية مخصصة تساعده على تحقيق أفضل النتائج. 
وفي المقابل يبرز سؤال مهم: «هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المعلم؟ الإجابة واضحة فالتكنولوجيا مهما بلغت من تطور لا تستطيع أن تحل محل الجانب الإنساني في العملية التعليمية، فالمعلم ليس ناقلاً للمعلومات فحسب فالمعلم هو قائد تربوي وموجه وصانع للقيم ويبني شخصية الطالب من الممكن أن يستطيع الذكاء الاصطناعي تصحيح الاختبارات وإعداد الخطط التعليمية وتحليل أداء الطلاب لكنه لا يستطيع أن يغرس الثقة في نفس طالب أو يحتوي طفلاً يمر بظروف نفسية أو يلهم جيلاً ليؤمن بقدراته. 
ومن المتوقع أن يشهد تعليم 2030 تحولاً في مفهوم التقييم أيضاً حيث لن تقتصر عملية القياس على الاختبارات التقليدية إلى أنها ستعتمد بصورة أكبر على المشاريع والمهارات العملية والإبداع والعمل الجماعي وحل المشكلات وهي مهارات أصبحت تمثل أساس النجاح في سوق العمل المستقبلي، كما ستتغير الفصول الدراسية لتصبح أكثر مرونة مع الاعتماد على التعلم الهجين والواقع الافتراضي والمحاكاة الرقمية بما يمنح الطلاب فرصاً لخوض تجارب تعليمية واقعية يصعب توفيرها داخل الفصل التقليدي. 
لكن نجاح هذا التحول لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها بينما يتطلب الاستثمار الحقيقي في إعداد المعلم وتأهيله لمواكبة هذه المتغيرات فالمعلم في عام 2030 سيكون مطالباً بإتقان استخدام التقنيات الحديثة وامتلاك مهارات التفكير النقدي والابتكار وإدارة التعلم إضافة إلى قدرته على بناء علاقات إنسانية إيجابية مع طلابه، لإن مستقبل التعليم لا يتمثل في استبدال الإنسان بالآلة وإنما في بناء شراكة ذكية بين التكنولوجيا والمعلم بحيث تصبح التقنيات وسيلة لدعم العملية التعليمية ليبقى المعلم القلب النابض لها. 
ويبقى السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم: «هل نستعد بالفعل لمدارس المستقبل أم أننا ما زلنا نُعد أبناءنا لوظائف قد لا تكون موجودة بعد سنوات قليلة؟» إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل التعليم الذي سنورثه للأجيال القادمة وقدرتنا على بناء مجتمع قادر على المنافسة والابتكار في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. 
د. إيمان فؤاد إعلامية و تربوية 


الكتابة سفر المعنى بين الأزمنة 
يختفي الكلام تقريبًا في اللحظة التي يُنطق فيها، فالصوت يتحقق ثم يتلاشى، تاركًا أثره في الذاكرة وحدها، وربما لهذا السبب ظهرت الكتابة، محاولةً لإنقاذ ما يضيع، ومنح التجربة الإنسانية قدرة على البقاء بعد انقضاء لحظة حضورها. 
لكن الكتابة لا تقوم بمجرد حفظ الكلمات، فلو كانت كذلك لما تجاوزت كونها أداة للتسجيل، وما يجعلها استثنائية هو أنها تتيح للمعنى أن يعبر الزمن، في مقالات سابقة تتبعنا مسار اللغة من الصوت إلى الدلالة، ثم إلى التاريخ بوصفه المجال الذي تتغير فيه المعاني وتتراكم الاستعمالات، وهنا تبرز الكتابة بوصفها الحلقة التي تجعل هذا المسار ممتدًا عبر الأجيال، فهي لا توقف الزمن، بل تسمح للمعنى بأن يواصل رحلته داخله. 
ومن خلالها استطاعت المجتمعات أن تبني ذاكرتها المشتركة، وأن تنقل معارفها وتجاربها بين الأجيال، فالكتابة من أعظم أدوات الإنسان في مقاومة النسيان، لأنها تحفظ أثر العقول التي أنتجتها، وتبقيه قابلًا للاستدعاء بعد غياب أصحابها بسنوات أو قرون، ومع ذلك فإن ما يُحفَظ ليس المعنى في صورته النهائية، فالنصوص تعبر الأزمنة، بينما تتغير المجتمعات التي تقرؤها، ولهذا لا يبقى المعنى ساكنًا داخل الكلمات، بل يواصل التشكل كلما دخل في سياق جديد أو التقى بأسئلة جديدة.  وينطبق ذلك على النصوص الفكرية والأدبية والتاريخية على السواء، فما يكتبه شاعر أو مؤرخ أو فيلسوف لا يصل إلى الأجيال اللاحقة بوصفه معنى جاهزًا، بل بوصفه أثرًا قابلًا لأن يُستأنف في قراءات جديدة، لذلك لا تعيش النصوص الكبرى لأنها تقول الشيء نفسه دائمًا، بل لأنها تسمح بأن يُقال بها شيء جديد في كل زمن، لكن حركة الكتابة لا تتجه نحو المستقبل فقط، فهي تتيح للماضي أن يحضر من جديد، وأن يخاطب أزمنة لم يعرفها، وفي المقابل تسمح للإنسان بأن يودع في النص أفكارًا قد لا تجد زمنها المناسب إلا بعد سنوات طويلة، ولهذا تبدو بعض الأعمال الفكرية وكأنها تتجاوز عصرها.  من هذه الزاوية لا تبدو الكتابة مستودعًا للمعنى، بل وسيطًا بين الأزمنة، إنها تحفظ الأثر الذي يسمح للمعنى بأن يستمر في الحياة، وأن يُعاد اكتشافه وتشكيله مع كل قراءة جديدة، ولهذا فإن الكتابة ليست انتصارًا على الزمن بقدر ما هي تفاوض معه، فهي لا تجمّد الدلالة بل تمنحها فرصة البقاء والتحول معًا، لإنها الوسيلة التي تسمح للمعنى أن يسافر بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأن يكتسب في كل عبور حياة جديدة، غير أن رحلة المعنى لا تنتهي عند الكتابة، فالنص المكتوب، مهما طال بقاؤه، يظل أثرًا صامتًا إلى أن يلتقي بقارئ يعيد إحياءه، وهنا يبرز سؤال جديد كيف يعود المعنى إلى الحياة عندما نقرأ؟ 
مأمور أول مأمور جوك: باحث مستقل 

أول فيلم عربي في تاريخ السينما 
 يعتبر فيلم «ليلى»، الذي عُرض عام 1927، أول فيلم روائي طويل من إنتاج عربي ومصري خالص، ويُمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لصناعة السينما العربية، وقد ارتبط هذا الإنجاز باسم الفنانة الرائدة عزيزة أمير، التي قامت بإنتاج الفيلم وبطولته، وساهمت في استكمال سيناريوه حتى خرج إلى النور بعد العديد من التحديات، حيث جاء إنتاج الفيلم في وقت كانت فيه صناعة السينما لا تزال في بداياتها، وكانت الأفلام الأجنبية تهيمن على دور العرض في العالم العربي. ورغم قلة الإمكانات التقنية والمالية، نجحت عزيزة أمير في تقديم عمل أثبت قدرة الفنان العربي على إنتاج أفلام تنافس في الشكل والمضمون، لتضع حجر الأساس لواحدة من أكبر الصناعات الثقافية في المنطقة. 
يحكي فيلم «ليلى» قصة اجتماعية رومانسية تعكس جانبًا من الحياة المصرية في عشرينيات القرن الماضي، وكان الفيلم صامتًا، كما هو حال معظم الأفلام في تلك الفترة، واعتمد على الأداء التمثيلي والموسيقى المصاحبة لنقل المشاعر والأحداث إلى الجمهور، واجه الفيلم العديد من العقبات أثناء إنتاجه، إذ تغيّر مخرجه، وأُعيدت كتابة أجزاء من السيناريو، كما تغير اسمه من «نداء الله» إلى «ليلى» قبل عرضه النهائي، إلا أن هذه الصعوبات لم تمنع نجاحه، بل جعلته رمزًا للإصرار والإبداع، وافتتح مرحلة جديدة في تاريخ السينما المصرية والعربية. 
أحدث «ليلى» تأثيرًا كبيرًا في الحركة الفنية، وشجع المنتجين والمخرجين على الاستثمار في صناعة السينما، لتشهد السنوات التالية ظهور عشرات الأفلام والاستوديوهات، وتتحول مصر إلى مركز رئيسي للإنتاج السينمائي العربي لعقود طويلة. 
لقد كان فيلم «ليلى» أكثر من مجرد عمل فني، فقد كان إعلانًا عن ميلاد السينما العربية، وبداية لمسيرة حافلة بالإبداع، ما زالت آثارها واضحة في تاريخ الفن العربي حتى اليوم. 
معاذ الطيب : مخرج سينمائي