ريحته ولا جميحته

ريحته ولا جميحته

 تزخر اللهجة الإماراتية بأمثال شعبية قصيرة في ألفاظها، عميقة في معانيها، لأنها خرجت من تجارب الناس اليومية ومن نظرتهم الواقعية إلى الحياة. ومن هذه الأمثال الجميلة قولهم (ريحته ولا جميحته)
وفي أحد الحوارات مع أحد النواخذة، دار الحديث عن السمك الطازج والسمك الذي يُحفظ في المجمد «الفريزر» فقلت له إن السمك الطازج ألذّ من السمك المجمّد، فأجابني ببساطة وحكمة: ريحته ولا جميحته. وكانت عبارته تحمل معنى أوسع من الحديث عن الطعام؛ فالسمك الطازج هو الأفضل بلا شك، لكن وجود السمك المجمّد عند الحاجة خير من عدم وجود السمك نهائياً.
ويُقال هذا المثل عندما يكون الشيء قليلاً أو محدوداً، لكنه يبقى أفضل من فقدانه تماماً. فوجود الأثر البسيط من الخير، أو النصيب اليسير من المنفعة، خير من انقطاعه كلياً. وهو مثل يدعو إلى تقدير الموجود وعدم التقليل من شأنه، مهما بدا صغيراً.
فقد يكون الدعم بسيطاً، لكنه يخفف عن الإنسان. وقد تكون الفرصة محدودة، لكنها تفتح باباً أكبر في المستقبل. وقد يكون اللقاء قصيراً، لكنه يترك أثراً طيباً في النفس. لذلك فإن الحكمة الشعبية هنا لا تنظر إلى حجم الشيء فقط، بل إلى قيمته وأثره.
وفي حياتنا اليومية، قد ننتظر الكمال في العمل أو العلاقات أو الإنجاز، فنغفل عن قيمة الخطوات الصغيرة. لكن النجاح غالباً لا يبدأ بقفزة كبيرة، بل بمحاولات متواضعة تتراكم مع الوقت. ومن يقدّر القليل، يستطيع أن يحافظ عليه وينمّيه، أما من يرفضه لأنه لا يساوي ما يتمنى، فقد يخسر كل شي.
كما يعكس المثل روح القناعة والواقعية التي عُرف بها أهل الإمارات، فالإنسان لا يترك الخير المتاح لأنه ليس كاملاً، ولا يستهين بالعطاء مهما كان محدوداً. فربما كان الشيء البسيط اليوم بداية لخير واسع غداً.
إن عبارة ريحته ولا جميحته ليست مجرد قول دارج، بل درس في الامتنان والصبر وحسن استثمار الفرص. وهي تذكير بأن الأثر الطيب، ولو كان قليلاً، أفضل من الغياب الكامل، وأن القليل الذي يبقى بين أيدينا قد يكون سبباً في حفظ النعمة وبداية خير غزير، ودمتم بمودة ورضى.