رئيس الدولة يقبل دعوة الولايات المتحدة للانضمام إلى مجلس السلام
السباق على الكهرباء : لماذا تستحوذ جوجل على شركة كهرباء بصفقة مليارية ضخمة..؟!
هل سنشهد في عام 2026 سباقاً محموماً على الطاقة من قبل شركات البرمجيات الكبرى، بحسب ما تفرضه لغة الأرقام والواقع الجيوسياسي الحالي.؟!
كلنا يعلم أنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج، بل هو قوّة استراتيجية تحرّكها الكهرباء، ومن يمتلك الكهرباء يمتلك العالم، أو على الأقل مفاتيح تشغيله، لذلك فإنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروع خوارزميات بقدر ما أصبح مشروع طاقة، فوراء تلك الواجهات البرمجية المبهرة والنماذج الذكية التي تُحاكي العقل البشري، تقبع أزمة أكثر صمتاً وخطورة، إنها أزمة الكهرباء التي لا تكفي لضخّ البيانات وتخزينها، خاصة مع تزايد الطلب المتسارع من الشركات الكبرى على الكهرباء، بوجود شبكات تقليدية متهالكة، طلب قد لا ترحمه قوانين الفيزياء العصيّة ولا البيروقراطية الحكومية، وهنا بالضبط يبدأ السباق الحقيقي، لا على الذكاء، ولا على الكود المُبتكر، وإنما على من يملك مفاتيح تشغيله، حيث تشير الوقائع إلى تحوّل استراتيجي واضح لدى عمالقة التكنولوجيا نحو السباق المحموم لضمان طاقة مستدامة لمراكز البيانات، فالشركة العملاقة "إيتون" تستحوذ على "فايبر بوند" لتأمين البنى التحتية الكهربائية، وشركة "ميتا" توقّع عقود شراء طاقة طويلة الأجل لتغذية مراكز بياناتها، بينما تعتمد "أوبن آي" نموذج الشراكات واستئجار القدرة والطاقة معاً، مراهنةً على تحمّل الشركاء عبء الشبكات والقيود التنظيمية، أما "ألفابت"، وهي الشركة الأم لجوجل، فقد ذهبت إلى خيار الحلّ الجذري، وذلك باستحواذها على شركة الطاقة "إنترسيكت" مقابل 4.75 مليار دولار نقداً مع تحمّل ديونها، في خطوة تتجاوز البرمجة إلى امتلاك المصدر بشكل كامل، هذه الصفقة لا يمكن قراءتها كتوسّع مالي فحسب، بل كإقرار ضمني بأنّ الشبكات الحالية لم تعد قادرة على حماية ثورة الذكاء الاصطناعي، وهذا ما تمّ التعبير عنه، عندما قامت شركة ذكاء اصطناعي بشراء شركة كهرباء، فإنّ هذا يعتبر كتصريح غير معلن، بأنّ الخوارزمية قد خسرت حقاً أمام الفيزياء، ولا معنى لوجودها من دون كهرباء، لأنّ من يملك المحوّلات الكهربائية، ويقوم بتأمين الطاقة المستدامة، هو من يقرّر من سيعمل غداً، ومن هو الذي سيصمد، وعلى هذه الشركات العملاقة أن تكون حامية لثورة الذكاء الاصطناعي التي أوجدتها، وهذه الثورة لا غنى لها عن الفيزياء، مهما قدّمت من اختراعات مبتكرة، ويبدو أننا في عام 2026 أمام صفقات استحواذ كبرى قادمة، وهذا ما ستفرضه الحاجة بلغة الأرقام وبالواقع الجيوسياسي الحالي.
لكنّ الرواية الرسمية لجوجل تتحدّث عن "تأمين المستقبل" وبناء محطات توليد موازية لمراكز البيانات، ضمن نموذج اندماج رأسي يحمي المستخدمين من تقلّبات الأسعار، غير أنّ هذا المنطق، يكشف عن أزمة أعمق، لأنّ الاستقلال الحقيقي لا يُشترى بالأصول، بل يُبنى بالتصميم، ولأنّ من يملك الرؤية لا يعتمد ويتكئ على الميزانية فقط، بل كان يمكن أن يغيّر قواعد اللعبة، بطريقة صرف أخرى، كأن يبتكر الحلول ".
هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يتجاوز جوجل وحدها: لماذا تعجز شركات تقود الذكاء الاصطناعي عن ابتكار حلول طاقية مستدامة، رغم امتلاكها رأس المال، والبيانات، والعقول.؟!
إنّ خمسة مليارات دولار كانت كفيلة بإشعال ثورة في كفاءة الحوسبة، أو تخزين الطاقة، أو ابتكار حلول ما استباقية لمسألة استهلاك الذكاء الاصطناعي نفسه، لكنّ الخيار الأسهل كان شراء أصول مادية مُثقلة بالديون، فالمال لا يعالج مشاكل الرؤية، بل يؤجل انفجارها، وبعض الشركات لم تغلق ملف الكهرباء بشكل كامل، وإنما أجلّته بالدَّين لأنها لم توفّق في حلّه بالابتكار أو الاستئجار أو الاستثمار، وهذا ليس نجاحاً، وإنما هذا استسلام أو كسل ـ نوعاً ما ـ تقني لصالح القرار الاستراتيجي.
لا تتوقف المخاطر اليوم عند لغة الأرقام بالنسبة لجوجل، بل تمتدّ إلى هويّة الشركة نفسها، حين تتحوّل جوجل من عملاق برمجيات وبيانات إلى مشغّل مرافق كهرباء، فإنّ كلّ دولار يُنفق على الأسلاك والتوربينات، هو دولار لم يُستثمر في مختبرات البحث والتطوير، حيث كان يُفترض أن يولّد الحلّ الجذري لحماية الذكاء بالذكاء نفسه.
وفي النهاية، لسنا أمام سباق خوارزميات، بل نحن حقاً في سباق محموم على امتلاك الكهرباء، فإنّ الفارق بين القادة والمُلّاك بسيط وخطير، فالقائد يُعيد تعريف المشكلة، أما المال فإنّه يشتريها.
وهنا يبقى السؤال مفتوحاً: هل تحمي هذه الصفقات الذكاء الاصطناعي من الفشل، أم تكشف حدود التوقعات التي بُنيت حوله؟!
أخيراً، فإنّ من المؤكد أنّ الذكاء لم يُخلق لتجاوز قوانين الفيزياء، بل ليعمل ضمنها وبأقصى كفاءة ممكنة.
طارق الحوسني
رئيس مجلس إدارة مجموعة زيروجرافيتي ـ أبوظبي .